‏إختطاف ثلاجة

"هيييه أنت، قف، فالمكان كله محاصر!!"
‏هذا ما تشعر به عندما تحاول إبداء رأيك في أحداث تعز!!..

 

‏حالة استنفار قصوى ومارشات عسكرية تملأ وسائل التواصل الاجتماعي، تضطر حيالها أن ترفع لها ذراعيك وأنت تبحث حولك عن "مصر أبيض طالعي" دليل استسلامك، ليتم إخضاع نياتك وما تحمل من أفكار لعملية تفتيش دقيقة.



‏للحقيقة أوجه كثيرة لكن المواطن العادي رأى ومنذ سنوات مسلسلاً لم ينتهِ في مدينة تعز، سمع فيه مناشدات أهاليها التي تطالب بعودة الأمان الذي لم يعتقدوا أنهم سيفقدونه حتى بعد أن تخلصوا من ميليشيا الحوثي الإنقلابية.


‏طالت انتقادات التراخي الجميع دون أن تستثني رأس الدولة، فقد تعودنا من المدينة الشجاعة التي لا تنقصها للإشارة إلى المتسببين بالفوضى بالإسم والصورة، بعد أن تبين عجز الدولة عن السيطرة وفرض السلام، تغير إثر تلك الانتقادات محافظ المدينة مرة تلو الأخرى، حتى حدثت المعجزة، فنحن في بلد لم يفقد معجزاته بعد، لكنها وللأسف ذات مردود عكسي قد تزعزع إيمان الفرد بما حوله على ثبات يقينه.



‏فما إن بدأت قوات الأمن تحرك عرباتها حتى علت الصرخات الرافضة لما يحدث، صرخات كان أصحابها سباقين في انتقاد الدولة ومطالبتهم لها بفرض هيبتها، ألم يكن الأمن مطلباً جمعياً لسكان المدينة؟! وكانت المربعات الخارجة عن السيطرة هي البؤرة التي تفوح منها رائحة الجرائم، وتم فيها حسب الوقائع اختفاء العديد من جثث العساكر؟!


‏تقف أمام ما يحدث وانت فاقد للفهم، فقد انقلبت جميع الاتهامات السابقة لتنال من الجيش الوطني وقوات الأمن الخاصة للدولة، تسال نفسك أمام الضجيج الذي لم يتوقف، هل استخدمت الدولة القوة المفرطة؟!،ربما!!..
‏لعلها استثنت أو حابت البعض؟!، قبل أن تتذكر بأن الحملة كانت في بدايتها ولم يتم حصر نتائجها بعد!!..
‏لعل صخب المعارك أزعج نوم السكان؟!، قد يكون ذلك ممكناً، لكنهم وبرغم ذلك مجبرون على سد آذانهم، فنحن أمام قوة عسكرية تهدد الجميع بما تملك من قوة وسلاح.



‏تفاجأت من انتشار فيديوهات لبعض المقاتلين بأسلحة ثقيلة تهدد وتتوعد من يقترب منها بحرق المدينة، يصرخ فيها رجل يؤلب رفاقه بكل حماس: "نحن رجال ابو العباس، لن ينال منا أحد ؟!"، أي منظر محزن، هل هذا ما قاومت تعز لأجله، هل نزف رجالها الذين توسلوا يوما مثل تلك الاسلحة أرواحهم من أجل انتماء لرجل بعينه؟!، ما إن أطرح هذا التساؤل حتى توضع أمامي صورة عربة عسكرية تحمل ثلاجة منهوبة؟!، هل يفترض بي الصمت بعد هذه المقارنة؟!، أي قياس رخيص وصلنا إليه؟!



‏لا أستخف بعملية سرقة الثلاجة، أو أقلل من فداحة اقتراف الزي العسكري لمثل هذا الجرم، الذي يتخطى فيه الأذى المعنوى القيمة المادية للمسروقات، لكن مقارنة جريمة نهب قام بها بضعة عساكر، بتمرد جماعة وخروجها عن قوانين الدولة وأنظمتها مقارنة فاحشة تحتاج للكثير من التفسير..


‏وبرغم ذلك نطالب قوات الأمن بمحاسبة مرتكبي تلك الجريمة وإنزال أقسى العقوبات عليهم، بعد الإفراج عن الثلاجة المختطفة وتعويضها عن الأذى النفسي الذي لحق بها، وتفسير ما حدث للرأي العام إلا إن كانت تلك العملية مدبرة من قبل الجيش وقوات الأمن ومن ضمن عمليات التطهير المستهدفة؟!


 
‏المدهش فعلا هو وصف ما يحدث بأنه مجرد صراع مسلح بين فصائل متناحرة، بعد أن تم نزع ملابس الدولة من عليها والباسها ثوب الإصلاح وسبحته، يعيدنا هذا الأمر إلى الوراء قليلا حين كانت معسكرات عمران تقف وحيدة أمام الميليشيا التي اجتاحتها واجتاحت اليمن بعدها، وكان العذر السهل الذي جعل الغالبية يقفون موقف المتفرج مطابقاً لما يقال عن أحداث تعز اليوم، فهل نحن أمام سقوط جديد للمدينة؟!



‏كان الإصلاح ومازال التهمة المعلبة الجاهزة، لإخراس من يحاول إبداء رأيه، دماج تسقط، انت إصلاحي!
‏معسكرات عمران تسقط، انكشف وجهك الحقيقي أيها الإخواني!!.
‏تصرخ بأعلى صوتك بأن صنعاء محاصرة، ليتم تكميم صوتك مخافة القبض عليك بتهمة التأسلم!، تشير إلى مدينة عدن وأحزمتها الأمنية وأنت تحذر من إقامة مثيلها على تعز، لتجد إجابة جاهزة في انتظارك، وهل تريد أن يحكمنا الإصلاح؟!



‏أي جنون أصاب الجميع، اتفق مع الإصلاح أو اختلف معه، ليس هذا مربط الفرس، المشكلة التي قد تصل إلى حد الكارثة هي حملة التصنيفات التي ازدادت شراسة بعد الحرب من تقييد للأفواه وتهديد مكشوف لحرية الرأي مجرد أن تختلف وجهة نظرك عن وجهة نظر من يصنفك..



‏كثيرة هي الاقلام التي استمالت المواطن، بالدولة القوية التي يرجونها، بالوطن الذي ستجاهر برايك وفكرك فيها بلا خوف، قد يخالفك الآخر لكنه لن يقوم بتكفيرك أو تخوينك أو طعنك بسهام التهم الجاهزة، للاسف تختفي يوتوبيا الحالمين حين تخالف تلك الأقلام أو تختلف معها في ما تراه.


‏إن لم يكن من حق إنسان على هذه الأرض إبداء رأيه بكل حرية فمن الأفضل إيقاف الحرب في كافة الجبهات واستدعاء الحوثي ببساطة ليتصدر المشهد، فقد كان السباق في قتل الرأي الآخر بعد تعذيبه ونزع حروفه في السجون.


 

نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص